الطبراني

14

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

السَّيْلُ زَبَداً رابِياً أي عاليا مرتفعا على الماء ، والسّيل ما يسيل من الموضع المرتفع . قوله تعالى : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ ؛ أي ومما تطرحون في النار من الذهب والفضّة لطلب حلية تلبسونها زبد ؛ أي خبث مثل زبد الماء . قوله تعالى : أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ؛ أراد به الحديد والرصاص وما يشاكله مما يوقد عليه في النار ؛ لاتّخاذ المتاع له زبد ؛ أي خبث مثل ذلك الماء . قوله تعالى : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ؛ أي هكذا يضرب اللّه مثل الحقّ والباطل ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ؛ أما زبد هذه الأشياء ، فيذهب ناحية لا ينتفع به ، فإن زبد الماء يتعلّق بأصول الأشجار وجنبات الوادي . والجفاء : ما رمى به الوادي ، وجفاه في جنباته ، يقال : أجفأت القدر زبدها إذا قذفت به ، وكما أنّ زبد الماء يذهب بحيث لا ينتفع به ، كذلك خبث الذهب والفضة والحديد ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ . قوله تعالى : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ( 17 ) ؛ للناس في أمر دينهم ، كما ضرب لكم المثل ، قال قتادة : ( هنّ ثلاثة أمثال ضربها اللّه في مثل واحد ، يقول : كما أنزل اللّه من السّماء ماء ، فسالت أودية بقدرها ، الصّغير على الصّغير على مقداره ، والكبير على مقداره ، كذلك أنزل اللّه القرآن ، فاحتمل القلوب على قدرها ، ذا اليقين على قدر يقينه ، وذا الشّكّ على قدر شكّه ) . قال : ( ثمّ شبّه خطرات ووساوس الشّيطان بالزّبد يعلو على الماء ، وذلك من خبث البرّيّة لا عين الماء ، كذلك ما يقع في النّفس من وهم وشكّ فهو ذات النّفس لا من الحقّ ) . قال : ( ثمّ بيّن أنّ الزّبد يذهب جفاء ؛ أي هباء باطلا ويبقى صفو الماء ، كذلك يبطل الشّكّ وسوء الخطرات ويبقى الجوف كما هو ، وكذلك ما يوقد عليه في النّار لمنافع النّاس يبطل زبده وخبثه ويبقى خالصه وصفوه ، كذلك الباطل يذهب ويبقى الحقّ ) « 1 » .

--> ( 1 ) ينظر : جامع البيان : الأثر ( 15421 ) .